دار الآثار الإسلامية: حفظ للذاكرة الإنسانية وإنفتاح على ثقافات العالم
شكري الصيفي
لا تعد دار الآثار الإسلامية في الكويت مؤسسة ثقافية فقط، بل هي رحلة إبداعية تجسد تحول الهواية الشخصية إلى مشروع حضاري عالمي. فعلى امتداد عقود، أسست الدار لنموذج ثقافي يتجاوز الحدود الوطنية والزمنية، محوره الأثر الإنساني أينما وُجد، مما يجعل مواسمها السنوية واحةً استثنائية في زمن يغلب فيه النمط الاستهلاكي على مسارات الإبداع.
من الهواية إلى الأفق الكوني
في منتصف السبعينيات، بدأ الشيخ ناصر صباح الأحمد الراحل جمع نوادر الآثار كهواية شخصية واثقة، لتتحول سريعًا إلى بنية مؤسسية مع إنشاء الدار عام 1983 إلى جانب الشيخة حصة صباح السالم الصباح. هذه البداية البسيطة رسمت دروبًا طويلة تعكس أبعادًا كونية، كما يُجسدها معرض “تحفتان في حوار.. نشأة دار الآثار الإسلامية” الذي أُقيم في ديسمبر 2025، حيث تروي قطعتان أثريتان رئيسيتان قصة التأسيس كرمز للإرث الفردي الذي أصبح مرجعًا جماعيًا.
تستكمل الشيخة حصة الإرث بمشاركات تنقل هذا الصرح نحو آفاق متجددة، معتمدة على مجموعة الصباح الأثرية التي تضم أكثر من 20 ألف قطعة تغطي 13 قرنًا من الفنون الإسلامية عبر قارات. هذا المشروع لا يقتصر على البعد التاريخي المحلي، بل يثري التنوع الثقافي بمعناه الأشمل وفق مرجعيات اليونسكو، محولاً الكويت إلى جسر حضاري.
وعلى امتداد هذه الرحلة تأسس هذا المشروع الثقافي بطموحات خاصة لينتقل إلى أفق إنساني أرحب لا يحده الوطن ولا يقتصر على بُعد حضاري أو تاريخي محلي. ففي منتصف سبعينات القرن العشرين، كانت البداية بسيطة لكنها واثقة، لتتحول اليوم إلى مؤسسة مرجعية تقود قاطرة الدبلوماسية الثقافية نحو آفاق عالمية.
البعد الإنساني للتراث: استثناء جدير بالمتابعة
انطلق المشروع من فكرة جامعة محورها الأثر الإنساني أينما كان. ولعل معرض “بين تحفتين” الذي نظمته الدار مثل أفضل تجسيد لهذه المسيرة الرائدة؛ لبنات أولى في دروب طويلة عكست الأبعاد الكونية لهذا المشروع. لم تكن الهواية مجرد رغبة في الاقتناء، بل كانت استشرافاً مبكراً لضرورة استعادة الهوية الحضارية، وهو ما استكملت بناء معالمه الشيخة حصة بمشاركات تنقل هذا الإرث للعالم، في خطوة تنقل هذا الصرح الثقافي بمجموعات تحفه ومآثره نحو آفاق متجددة.
وتركز دار الآثار على مسارين رئيسيين، الأول يركز على التنوع الثقافي، كما في الموسم الـ30 (2025-2026) الذي انطلق في 29 سبتمبر 2025، متضمنًا 24 محاضرة مع أكادميين وخبراء دوليين، و30 أمسية موسيقية وعروض مسرحية، ومعارض مثل “فنون الصين والعالم الإسلامي”.
المسار الثاني يعزز الدبلوماسية الثقافية، حيث تُعرف الدار بمنطلقاتها العالمية، من خلال ورش عمل للحرف التراثية وأنشطة للشباب والأطفال، في مسعى من القائمين عليها تحديات العولمة للتواصل مع الجمهور العريض. هذه المواسم ليست مجرد أحداث، بل حوارات حية تتحدى هيمنة الثقافة النيوليبرالية ووسائل التواصل الاجتماعي، ومحاولة لغرس نمط ثقافي متجدد.
رؤية متميزة وسط تحديات ثقافية
تندرج رؤية الدار ضمن رؤية تعكس التنوع الثقافي في معناه الأشمل وفقاً لمرجعيات منظمة اليونسكو، بما يعزز مفهوم الدبلوماسية الثقافية كوسيلة للتعريف بمنطلقات وأسس هذا المشروع الخاص الذي أصبح مرجعية ثقافية عالمية شكلاً ومضموناً. ومن خلال المعارض التي جابت عواصم العالم، نجحت الدار في تقديم الفن الإسلامي كخطاب إنساني جامع، مؤكدة على دور الكويت كمركز إشعاع ثقافي يؤمن بأن الحوار بالجمال هو أبقى وأقوى من لغات السياسة العابرة.
وجدير بالقول إن مثل هذه التحديات تتطلب شجاعة القائمين، فالدار –رغم طابعها المتخصص والنخبوي– وجدت طريقها لرسم أسس تواصل واسع، كما في إحياء الحرف عبر مراكز فنية منذ الثمانينيات. في عصر ما بعد العولمة، حيث يسيطر الاستهلاك على الفنون، تبرز مواسم دار الآثار كنموذج للصمود الثقافي، ومرجعية إنسانية جامعة وجسر عبور ثقافي يصل الشرق بالغرب. بهذا، تظل مواسم الدار دعوة مفتوحة للمتابعة، فهي ليست تاريخًا مكتوبًا فحسب، بل إبداع حي يُعيد صياغة الأفق الثقافي المتجدد.
1. English Summary:
Dar al-Athar al-Islamiyyah: A Beacon of Cultural Diplomacy From a private collection founded by the late Sheikh Nasser Sabah al-Ahmad to a world-class institution led by Sheikha Hussah al-Salem, DAI Kuwait represents the pinnacle of cultural diplomacy. Housing over 20,000 artifacts, it bridges civilizations and challenges the tides of globalization through art, academia, and international dialogue in alignment with UNESCO’s values.
2. Résumé en Français :
Dar al-Athar al-Islamiyyah : Un phare de la diplomatie culturelle De la collection privée du regretté Cheikh Nasser Sabah al-Ahmad à une institution de classe mondiale dirigée par la Cheikha Hussah al-Salem, la DAI Koweït incarne l’excellence de la diplomatie culturelle. Avec plus de 20 000 objets d’art, elle tisse des liens entre les civilisations et résiste aux courants de la mondialisation par l’art et le dialogue international, en accord avec les valeurs de l’UNESCO.
3. Resumen en Español :
Dar al-Athar al-Islamiyyah: Un faro de diplomacia cultural Desde la colección privada del difunto Jeque Nasser Sabah al-Ahmad hasta una institución de clase mundial dirigida por la Jequesa Hussah al-Salem, la DAI de Kuwait representa la cumbre de la diplomacia cultural. Con más de 20.000 piezas, une civilizaciones y desafía los efectos de la globalización a través del arte y el diálogo internacional, en sintonía con los valores de la UNESCO.



